ابو القاسم عبد الكريم القشيري
30
لطائف الإشارات
يريد به المتخلفين عنه في غزوة « تبوك » ، بيّن سبحانه أنه لو كانت المسافة قريبة ، والأمر هيّنا لما تخلّفوا عنك ؛ لأنّ من كان غير متحقّق في قصده كان غير بالغ في جهده ، يعيش على حرف ، ويتصرّف بحرف ، فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه . وقال تعالى : « فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ » « 1 » . فإذا رأيت المريد يتّبع الرّخص ويجنح إلى الكسل ، ويتعلّل بالتأويلات . . فاعلم أنه منصرف عن الطريق ، متخلّف عن السلوك ، وأنشدوا : وكذا الملول إذا أراد قطيعة * ملّ الوصال وقال : كان وكانا ومن جدّ في الطلب لم يعرّج في أوطان الفشل ، ويواصل السير والسّرى ، ولا يحتشم من مقاساة الكدّ والعناء ، وأنشدوا : ثم قطعت الليل في مهمة * لا أسدا أخشى ولا ذيبا يغلبني شوقى فأطوى السّرى * ولم يزل ذو الشوق مغلوبا قوله : « وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ » : يمين المتعلّل والمتأوّل يمين فاجرة تشهد بكذبها عيون الفراسة ، وتنفر منها القلوب ، فلا تجد من القلوب محلا . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) لم يكن منه صلى اللّه عليه وسلم خرق حدّ أو تعاطى محظور ، وإنما ( تذر ) « 2 » منه ترك ما هو الأولى . قدّم اللّه ذكر العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله : « لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » . أو من جواز الزّلة على الأنبياء - عليهم السلام - إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر
--> ( 1 ) آية 21 سورة محمد . ( 2 ) هكذا في ( ص ) وربما كانت ( بدر ) في الأصل أي صدر عنه أما ( نذر ) فتفيد ( قل ) منه ترك ما هو الأولى ، وكلاهما لا يرفضه السياق .